الجصاص
340
الفصول في الأصول
قال أبو بكر : فقد بان من قول محمد : أن هذا عنده إجماع صحيح ، بمنزلة الإجماع الذي يتقدمه اختلاف في باب وجوب فسخ القاضي ( ببيع أمهات الأولاد ) ( 1 ) وكان أبو الحسن يقول : إجازة أبي حنيفة قضاء القاضي ببيع أمهات الأولاد ، لا يدل على : أنه كان لا يرى الإجماع الذي حصل في منع بيع أمهات الأولاد بعد الاختلاف الذي كان بين السلف فيه إجماعا صحيحا ، يلزم صحته ، ( 2 ) ويجب على من بعدهم اتباعه ، ( 3 ) إذ جائز أن يكون مذهبه : أنه إجماع صحيح ، وإن لم يفسخ قضاء القاضي إذا قضى بخلافه ، فكان يذكر لذلك وجها ذهب عني حفظه ، والذي يقوله في ذلك : إن منازل الإجماعات مختلفة كمنازل النصوص ، يكون بعضها آكد من بعض ، ويسوغ الاجتهاد في ترك بعضها ، ولا يجوز في ترك بعض . ألا ترى : أن النص المتفق على معناه ليس في لزوم حجته بمنزلة النص المختلف في معناه ، وإن كان حجتهما جميعا عندنا ثابتة ، كذلك حكم الإجماعات ، ( 4 ) فليس يمتنع على هذا أن يفرق بين الإجماع الذي قد تقدمه اختلاف ، وبين الإجماع الذي لم يسبقه خلاف في باب فسخ قضاء القاضي ، بخلاف أحدهما ومنعه ذلك في الآخر ، وإن كان كل واحد منهما حجة لا يجوز مخالفته ، ويكون الفرق بينهما من وجهين : أحدهما : أنه مختلف فيه أنه إجماع ، أوليس بإجماع ، وهو خلاف مشهور بين الفقهاء . والثاني : أنه إجماع قد سبقه اختلاف ، وقد سوغ أهل العصر المتقدم الاجتهاد فيه وأباحوا فيه الاختلاف ، فساغ الاجتهاد في منع انعقاد الإجماع بعدهم ، والإجماع الذي يسوغ الاجتهاد في خلافه لا يفسخ به قضاء القاضي ، ولا يكون بمنزلة إجماع أهل عصر لم يتقدمه خلاف ، فيفسخ قضاء القاضي إذا قضى بخلافه ، لأن هذا إجماع لا يسوغ الاجتهاد في رده ، ولا نعلم أحدا من الفقهاء يخالف فيه ، وإنما خالف فيه قوم - هم شذوذ عندنا - لا نعدهم خلافا ، فبان بما وصفنا : ( أنه ) ( 5 ) ليس في منع أبي حنيفة رضي الله عنه فسخ قضاء